محمد مطر يكتب : في اليوم العالمي لحرية الصحافة
في الثالث من مايو من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة، ذلك اليوم الذي يذكّرنا بقيمة الكلمة ودورها في تشكيل الوعي، حيث لا يكون أول ما يلامس وعي الناس هو الشمس بقدر ما يكون الخبر.
ذلك السيل المتدفق من العناوين، الصور، والمقاطع، الذي لا يكتفي بأن ينقل الواقع، بل يعيد تشكيله، ويمنحه معنى قد لا يكون موجودًا من قبل. هنا، في هذه المساحة الدقيقة بين ما يحدث وما يُقال عنه، تتجلى العلاقة المركبة بين المجتمع والإعلام؛ علاقة لا يمكن اختزالها في كونها مجرد نقلٍ للمعلومة، بل هي أشبه برقصة مستمرة بين التأثير والتأثر.
المجتمع، في جوهره، ليس مجرد تجمع بشري، بل هو كيان حي يتنفس عبر أفكاره، عاداته، ومخاوفه. والإعلام، في المقابل، ليس مرآة صافية كما يُشاع، بل هو مرآة تختار زاوية الانعكاس، وتحدد أي التفاصيل تستحق الإبراز وأيها يُترك في الظل.
ومن هنا تبدأ الحكاية؛ حيث لا يكتفي الإعلام بعكس صورة المجتمع، بل يشارك في رسم ملامحها، أحيانًا بوعي، وأحيانًا دون إدراك كامل لعواقب هذا الدور. حين يسلّط الإعلام الضوء على قضية معينة، فإنه لا ينقلها فقط، بل يمنحها وزنًا اجتماعيًا، يرفعها من مستوى الحدث العابر إلى مستوى القضية العامة.
وهنا يتشكل وعي الأفراد، ليس فقط بما يحدث، بل بكيفية الشعور تجاهه. فالخبر الذي يُقدَّم بلغة هادئة يخلق استجابة مختلفة تمامًا عن ذاك الذي يُصاغ بنبرة ملتهبة.
وبين هذين الخيارين، تتشكل مواقف، وتُبنى قناعات، وقد تتغير مسارات كاملة في حياة مجتمعات بأكملها. وفي المقابل، لا يقف المجتمع موقف المتلقي السلبي. لقد تغيرت المعادلة. أصبح الفرد اليوم قادرًا على أن يكون جزءًا من العملية الإعلامية نفسها، لا مجرد متلقٍ لها. يعلّق، يشارك، ينتقد، بل ويصنع محتواه الخاص.
وهنا تتحول العلاقة من خط أحادي الاتجاه إلى شبكة معقدة من التفاعلات. فكل تفاعل، كل مشاركة، كل رأي يُكتب، هو بمثابة إشارة تُعيد توجيه بوصلة الخطاب الإعلامي. لكن هذه العلاقة، على عمقها، ليست دائمًا متوازنة. ففي بعض الأحيان، ينحرف الإعلام نحو الإثارة على حساب الحقيقة، مدفوعًا برغبة في جذب الانتباه، فيجد المجتمع نفسه أمام صورة مشوهة للواقع، صورة قد تبالغ في الخطر أو تقلل من شأنه.
وفي أحيان أخرى، قد يغرق المجتمع في استهلاك هذا المحتوى دون تمحيص، فيفقد قدرته على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مُصاغ بعناية لخدمة هدف معين. ومع ذلك، تظل العلاقة بين المجتمع والإعلام علاقة حتمية، لا يمكن فك ارتباطها. فهي علاقة تقوم على الاحتياج المتبادل؛ المجتمع يحتاج إلى من يروي قصصه، والإعلام يحتاج إلى هذه القصص ليبقى حيًا. وبين الحاجة والتأثير، تنشأ مسؤولية مشتركة.
مسؤولية الإعلام في أن يكون أمينًا، دقيقًا، واعيًا بأثر كلماته، ومسؤولية المجتمع في أن يكون ناقدًا، متيقظًا، لا يستهلك كل ما يُقدَّم له دون سؤال. في النهاية، ليست القضية في من يؤثر في من، بل في طبيعة هذا التأثير. هل هو تأثير يثري الوعي أم يضلله؟ هل يفتح آفاقًا للفهم أم يغلقها؟ هنا فقط يمكن أن نقيس جودة العلاقة بين المجتمع والإعلام. علاقة، إن أُحسن توجيهها، كانت قوة بناء هائلة، وإن أُسيء استخدامها، تحولت إلى أداة قادرة على إعادة تشكيل الواقع بطرق قد لا يدركها أحد إلا بعد فوات الأوان.
وإلى لقاء إن قدر الله لنا البقاء..




 toyota 2.png)





